القرطبي

12

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

حتى دخل بيته ، فإذا رجل رث الهيئة ، فسمعته يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " . قال فقلت لابن أبي مليكة : يا أبا محمد ، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت ؟ قال : يحسنه ما استطاع . ذكره أبو داود ، وإليه يرجع أيضا قول أبي موسى للنبي صلى الله عليه وسلم : إني لو علمت أنك تستمع لقراءتي لحسنت صوتي بالقرآن ، وزينته ورتلته . وهذا يدل [ على ] أنه كان يهذ ( 1 ) في قراءته مع حسن الصوت الذي جبل عليه . والتحبير : التزيين والتحسين ، فلو علم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه لمد في قراءته ورتلها ، كما كان يقرأ على النبي صلى الله عليه وسلم ، فيكون ذلك زيادة في حسن صوته بالقراءة . ومعاذ الله أن يتأول على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول : إن القرآن يزين بالأصوات أو بغيرها ، فمن تأول هذا فقد واقع أمرا عظيما أن يحوج القرآن إلى من يزينه ، وهو النور والضياء والزين الأعلى لمن ألبس بهجته واستنار بضيائه . وقد قيل : إن الامر بالتزيين اكتساب القراءات وتزيينها بأصواتنا وتقدير ذلك ، أي زينو القراءة بأصواتكم ، فيكون القرآن بمعنى القراءة ، كما قال تعال " وقران الفجر ( 2 ) " أي قراءة الفجر ، وقوله : " فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ( 3 ) " أي قراءته . وكما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال : إن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان عليه السلام ، ويوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا ، أي قراءة . وقال الشاعر ( 4 ) في عثمان رضي الله عنه : ضحوا بأشمط ( 5 ) عنوان السجود به * يقطع الليل تسبيحا وقرآنا أي قراءة فيكون معناه على هذا التأويل صحيحا إلا أن يخرج القراءة التي هي التلاوة عن حدها - على ما نبينه - فيمتنع . وقد قيل : إن معنى يتغنى به ، يستغنى به من الاستغناء الذي هو ضد الافتقار ، لا من الغناء ، يقال : تغنيت وتغانيت بمعنى استغنيت . وفي الصحاح : تغنى

--> ( 1 ) الهذ والهذذ : سرعة القطع وسرعة القراءة . ( 2 ) آية 78 سورة الإسراء . ( 3 ) آية 18 سورة القيامة . ( 4 ) هو حسان بن ثابت رضي الله عنه . ( 5 ) الشمط بالتحريك : بياض شعر الرأس يخالطه سواده . وقيل : الشمط في الرجل شيب اللحية .